السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
414
مفاتيح الأصول
والاحتراز إذ النادم على المعصية لقبحها لا يخلو عن ذلك العزم البتة على تقدير الخطور والاقتدار وفي حق اليقين فإن بعض التوبة الندم عن المعصية ولو تندم عن شرب الخمر من حيث كونه مصرّا له لم يكن توبة وشرط الأكثر العزم على عدم ارتكاب المعصية في المستقبل دائما وقيل هذا العزم لازم الندامة الواقعية ولهذا ورد في الأحاديث الكثيرة أنه يكفي الندامة للتوبة وقال بعض المحققين لا يحصل التوبة إلا بثلاثة أشياء الأول معرفة ضرر المعصية وكونها حجابا بين العبد ومحبوبه وكونها سموما قاتلة لمباشريها فإذا علمت هذا وتيقنت به عرضت لك حالة أخرى وهي التّألم مما فات والتأسّف على فعل المعاصي وهذا التألم والتأسف يقال له الندامة ويحصل من هذه الحالة حالة أخرى يقصد ثلاثة أشياء أحدها متعلق بالحال يعني أنه تارك للمعصية التي كان مرتكبا لها الآن وثانيها متعلَّق بالاستقبال يعني أنه لا يعود إلى المعصية التي كان مرتكبا لها أبدا وثالثها متعلَّق بالماضي وهو التدارك بما فات بالقضاء أو رد المظالم وهذه الثلاثة أعني معرفة ضرر المعصية والندامة وقصد الأمور الثلاثة الأخيرة يحصل بالترتيب وربما يطلق على المجموع اسم التوبة والأكثر يطلقونها على خصوص الندامة ويجعلون معرفة الضرر مقدّمة لذلك وقصد الثلاثة ثمرته الَّتي يترتب عليه وربما يطلق على مجموع النّدامة والعزم التوبة انتهى وفي الوسائل محمد بن علي بن الحسين قال من ألفاظ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الندامة توبة وفي الخصال عن أبيه عن سعد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن علي الحيصمي عن أبي جعفر عليه السلام قال كفي بالندم توبة الثاني لا إشكال ولا شبهة في رجحان التوبة عن جميع المعاصي ويدل عليه الكتاب والسّنة والإجماع ولا يبعد دعوى دلالة العقل عليه أيضا والسنة الدّالة على ذلك كثيرة منها صحيحة معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه الله ومنها خبر محمد بن الفضيل قال سألت أبا الحسن عليه السلام فقال أحب العباد إلى اللَّه المفيئون التوابون ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام إن اللَّه يحب من عباده المفيئين التواب ومنها خبر أبي عبيدة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول إن اللَّه أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها ومنها خبر أبي جميلة قال قال أبو عبد الله عليه السلام إن الله يحب العبد المفتن التواب ومن لا يكون ذلك منه كان أفضل ومنها خبر ابن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن الله عزّ وجلّ يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها ومنها المروي في الوسائل عن العيون عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مثل المؤمن عند اللَّه تعالى كمثل ملك مقرب وإن المؤمن عند اللَّه لأعظم من ذلك وليس شيء أحب إلى اللَّه من مؤمن تائب ومؤمنة تائبة ومنها خبر محمّد بن مسلم قال قال أبو جعفر عليه السلام إنه كان يقال من أحب عباد الله المحسن التواب ومنها ما أشار إليه بعض فقال قال رسول رسول الله صلى الله عليه وآله التائب حبيب اللَّه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له الثالث هل التوبة عن المعاصي الكبيرة والصغيرة واجبة فيستحق تاركها العقاب والإيلام أو لا بل تكون مندوبة المعتمد هو الأول وإليه ذهب في نهج المسترشدين وشرحه إرشاد الطالبين والتجريد والأربعين والمحجة ولهم وجوه منها ظهور اتفاق الإمامية عليه ومنها تضمن جملة من الكتب دعوى اتفاقهم عليه ففي كشف المراد هي واجبة بالإجماع لكن اختلفوا فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر أو المظنون فيها ذلك ولا تجب من الصّغائر المعلوم أنها صغائر وقال آخرون بأنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل وقال آخرون إنها تجب من كل صغير وكبير من المعاصي أو الإخلال بالواجب سواء تاب منها قبل أو لم يتب وفي إرشاد الطَّالبين فإنه قال هل التوبة واجبة من جميع الذنوب كبائرها وصغائرها أو عن الكبائر لا غير ذهب أصحابنا الإمامية وأبو علي الجبائي إلى الأول وذهب أبو هاشم إلى الثاني وفي بعض الحواشي المنسوبة إلى الشيخ البهائي لا خلاف في أصل وجوبها سمعا وإنما الخلاف في وجوبها عقلا فأثبته المعتزلة وفي بعض تأليفات الصدر الشيرازي الإجماع منعقد من الأمة على وجوبها ولا خلاف فيه ومن معانيها ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال والتدارك لما سبق من التقصير ولا شك في وجوبه وأما التّدبر على ما سبق والتحزن عليه فواجب وهو روح التوبة وبه تمام التلافي فكيف لا يكون واجبا بل هو نوع يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط الله فهذه حقيقة التوبة ووجوبها وفي شرح الباب الحادي عشر المسمّى بالنافع هي واجبة لوجوب النّدم إجماعا من كل قبيح وإخلال بالواجب ولدلالة السّمع على وجوبها وفي شرح التجريد للأصفهاني فقد اتفقوا على وجوبها وفي حق اليقين لا خلاف في وجوب التوبة عن المعصية في الجملة واختلفوا في وجوبها عن جميع المعاصي والأكثر على العدم وهو قوي ولكن الأحوط والأولى للإنسان أن يكون دائما في مقام الإنابة والاستغفار عن المعاصي ومنها ما حكي التمسّك به عن أصحابنا والأشاعرة من قوله تعالى توبوا إلى اللَّه جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وقوله تعالى توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم وقوله تعالى واستغفروا الله ربكم ثم توبوا إليه ومنها ما رواه في الوسائل عن علي بن موسى بن طاوس في مهج الدعوات عن الرّضا عليه السلام قال قال رسول اللَّه اعترفوا بنعم اللَّه ربكم وتوبوا إلى اللَّه من جميع ذنوبكم فإن اللَّه يحب الشاكرين من عباده ومنها ما ذكر في جملة من الكتب ففي نهج المسترشدين التوبة واجبة لأنها رافعة للضرر وفي إرشاد الطالبين احتج أصحابنا بأن التوبة دافعة لضرر معلوم أو مظنون وكل ما كان كذلك فهو واجب